الغزالي
16
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
فتتكلم شعرة من شعرات عينيه وتقول : يا رب رسولك محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من بكى من خشية اللّه حرّم اللّه تلك العين على النار » . وإني بكيت من خشيتك ، فيغفر اللّه له ، ويستخلصه من النار ببركة شعرة واحدة كانت تبكي من خشية اللّه في الدنيا ، وينادي جبريل عليه السلام : نجا فلان بن فلان بشعرة واحدة . وفي ( بداية الهداية ) : إذا كان يوم القيامة جيء بجهنم تزفر زفرة فتجثو كل أمة على ركبها من هولها كما قال اللّه تعالى : وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً أي : على الرّكب كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا « 1 » . فإذا أتوا النار سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً « 2 » تسمع زفرتها من مسيرة خمسمئة عام ، وكل واحد حتى الأنبياء يقول : نفسي نفسي إلا صفيّ الأنبياء صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه يقول : « أمتي أمتي » . وتخرج من الجحيم نار مثل الجبال فتجتهد أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في دفعها ، وتقول : يا نار بحق المصلين وبحق المصدّقين ، وبحق الخاشعين ، وبحق الصائمين أن ترجعي . فلا ترجع . وينادي جبريل عليه السلام : إن النار قد قصدت أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم يأتي بقدح من ماء فيناوله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويقول : يا رسول اللّه خذ هذا فرشّه عليها ، فيرشه عليها فتطفأ في الحال ، فيقول صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما هذا الماء ؟ » فيقول جبريل عليه السلام : هذا ماء دموع عصاة أمتك الذين بكوا من خشية اللّه تعالى . فالآن أمرت أن أعطيكه لترشّه على النار فتطفأ النار بإذن اللّه تعالى . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « اللهم ارزقني عينين تبكيان من خشيتك قبل أن لا يكون الدمع » . أعينيّ هلّا تبكيان على ذنبي * تناثر عمري من يديّ ولا أدري وجاء في الخبر أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه من الدموع مثل رأس الذباب من خشية اللّه تعالى فيصيب حرّ وجهه فتمسّه النار أبدا » . حكي عن محمد بن المنذر رحمه اللّه تعالى أنه كان إذا بكى يمسح وجهه ولحيته
--> ( 1 ) سورة الجاثية ، الآية : 28 . ( 2 ) سورة الفرقان ، الآية : 12 .